صديق الحسيني القنوجي البخاري
477
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ المراد به القرآن كله ، قال قتادة وغيره أي هو الْحَقُّ البالغ في اتصافه بهذه الصفة لا شك فيه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعني مشركي مكة لا يُؤْمِنُونَ بهذا الحق الذي أنزل اللّه إليك ، قال الزجاج : لما ذكر أنهم لا يؤمنون ذكر الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق فقال : اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ العمد الأساطين والدعائم جمع عماد أي على غير قياس والقياس أن يجمع على عمد بضم العين الميم ، وقيل إن عمدا جمع عماد في المعنى أي أنه اسم جمع لا جمع صناعي وهو صادق بأن لا عماد أصلا وهذا هو أصح القولين أي قائمات بغير عمد تعتمد عليها ، وقيل لها عمد ولكن لا نراها ، وهذا قول مجاهد وعكرمة ، قال الزجاج : العمد قدرته التي يمسك بها السماوات وهي غير مرئية لنا ، وقرىء عمد على أنه جمع عمود يعمد به أي يسند إليه . وجملة تَرَوْنَها مستأنفة استشهاد على رؤيتهم لها كذلك ، وقيل هي صفة لعمد ، وهو أقرب مذكور ورجحه الزمخشري ، وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير رفع السماوات ترونها بغير عمد ، ولا ملجىء إلى مثل هذا التكلف ، قال ابن عباس : وما يدريك لعلها بعمد لا ترونها وقال يقول لها عمد ، ولكن لا ترونها يعني الأعماد . وقال إياس بن معاوية : السماء مقببة على الأرض مثل القبة ، وبه قال الحسن وقتادة وجمهور المفسرين ، وعن ابن عباس قال : السماء على أربعة أملاك كل زاوية موكل بها ملك ، قال السمين في هذا الكلام وجهان : أحدهما : انتفاء العمد والرؤية جميعا أي لا عمد فلا رؤية يعني لا عمد لها فلا ترى ، وإليه ذهب الجمهور . والثاني : أن لها عمدا ولكن غير مرئية . ثُمَّ هنا لمجرد العطف لا للترتيب لأن الاستواء عليه غير مرتب على رفع السماوات اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استواء يليق به هذا مذهب السلف ، وقال المعتزلة استولى عليه بالحفظ والتدبير أو استوى أمره وأقبل على خلق العرش ، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى ، والحق أن الاستواء على العرش صفة اللّه سبحانه بلا كيف كما هو مقرر في موضعه من علم الكلام وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي ذللهما لما يراد منهما من منافع الخلق ومصالح العباد فالحركة المستمرة على حد من السرعة تنفع في حدوث الكائنات وبقائها كُلٌّ من الشمس والقمر يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي إلى وقت معلوم معين وهو فناء الدنيا وزوالها وقيام الساعة التي تتكور عندها الشمس وينخسف القمر وتنكدر النجوم وتنتشر ، وقيل المراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهيان إليها لا يجاوزانها وهي سنة للشمس وشهر للقمر لا يختلف جري واحد منهما قيل وهذا هو الحق في تفسير الآية .